الحلبي

37

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ورسوله أعلم ، قال : قال اللّه عز وجل : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال مطرنا برحمة اللّه وفضله فهو مؤمن باللّه وكافر بالكواكب ، ومن قال مطرنا بنجم كذا ؛ وفي رواية : بنوء كذا وكذا فهو مؤمن بالكواكب كافر بي » وهذا عند أئمتنا مكروه لا حرام ، أي لأن المراد بالإيمان شكر نعمة اللّه حيث نسبها إلى اللّه ، والكفر كفران النعمة حيث نسبها لغيره ، فإن اعتقد أن النجم هو الفاعل كان الكفر فيه على حقيقته وهو ضد الإيمان ، والأوّل إنما نهي عنه لأنه كان من أمر الجاهلية ، وإلا فهذا التركيب لا يقتضي أن يكون نوء كذا فاعلا ، ومن ثم لو قال مطرنا في نوء كذا : أي في وقت نوء كذا لم يكره . وكان ابن أبي ابن سلول قال : هذا نوء الخريف ، مطرنا بالشعرى ، أي وسمي الخريف خريفا ، لأنه تخترف فيها الثمار : أي تقطع . والنوء : سقوط نجم ينزل في الغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق من أنجم المنازل ، وذلك يحصل في كل ثلاثة عشر يوما إلا الجبهة النجم المعروف ، فإن لها أربعة عشر يوما ، قال بعضهم : والأنواء ثمانية وعشرون نوءا : أي نجما ، كان العرب يعتقدون أن من ذلك يحدث المطر أو الريح . وفي الحديث « لو حبس اللّه القطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله أصبح طائفة منهم به كافرين ، يقولون مطرنا بنوء المجرّة » بكسر الميم : نجم يقال هو الدبران . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه « إن اللّه ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم بها ، فتصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا » . ونقل عن عمر رضي اللّه عنه « أنه قال : مطرنا بنوء كذا » ولعله لم يبلغه النهي عن ذلك حيث قال . قال العارف باللّه ابن عطاء اللّه : لعل هذا يكون ناهيا لك أيها المؤمن عن التعرّض إلى علم الكواكب واقتراناتها ، ومانعا لك أن تدّعي وجود تأثيراتها . واعلم أن اللّه فيك قضاء لا بد أن ينفذه وحكما لا بدّ أن يظهره ، فما فائدة التجسس على غيب علام الغيوب ، وقد نهانا سبحانه أن نتجسس على غيبه . وصارت تلك الشجرة التي وقعت عندها البيعة يقال لها شجرة الرضوان ، وبلغ عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه : أي في خلافته أن ناسا يصلون عندها ، فتوعدهم وأمر بها فقطعت : أي خوف ظهور البدعة . ولما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة هاجرت إليه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدّة ، وكانت أسلمت بمكة وبايعت قبل أن يهاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهي أوّل من هاجر من النساء بعد هجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، وإنها خرجت من مكة وحدها وصاحبت رجلا من خزاعة حتى قدمت المدينة .